دكتوره منى حنا عياد..تكتب. قاع الهامور

دكتوره منى حنا عياد..تكتب. قاع الهامور
دكتوره منى حنا عياد..تكتب. قاع الهامور

 

كتبت /دكتوره منى حنا عياد 

قاع الهامور:

هذه التجمعات ليس فقط قسوة المحتوى، بل الاعتماد الكلي على الكوميديا السوداء والعبثية المطلقة كأداة وحيدة للتواصل وإثبات الوجود. في هذا القاع الافتراضي، يتم تفكيك كل الثوابت والسخرية من كل شيء تحت غطاء الـ "ميمز" والهزار. هذا السلوك المتمرد ليس مجرد تهريج عشوائي، بل هو انعكاس لحالة عميقة من الاغتراب النفسي يعاني منها شباب يجدون أنفسهم محاصرين بضغوط الحياة اليومية ومطالب المثالية التي يفرضها المجتمع. ولأنهم لا يمتلكون مساحات حقيقية في الواقع للتعبير عن إحباطاتهم أو حتى طيشهم، يلجأون إلى هذه المجموعات المغلقة لتفريغ شحناتهم عبر كسر التابوهات، والتنمر، وتجاوز كل الخطوط الحمراء، معتقدين أن الشاشة تمنحهم حصانة كاملة ضد المحاسبة.

وهنا تتدخل "سيكولوجية الجماهير" لتزيد الطين بلة؛ فالشاب الذي قد تراه هادئاً ومهذباً داخل أسرته، يتحول بمجرد دخوله هذه المجموعات إلى شخصية أخرى تماماً. إنه يذوب في العقل الجمعي للقطيع، ويفقد هويته الفردية لصالح هوية الجروب. تحت مظلة هذه الحماية الوهمية، تتراجع بوصلة التمييز بين الصواب والخطأ، ويصبح التطاول أو الخوض في الخصوصيات سلوكاً اعتيادياً، بل وتذكرة عبور للحصول على اعتراف وإعجاب الأقران. إننا أمام حالة من العدوى النفسية التي تنتقل بسرعة البرق، وتحول الانحراف السلوكي من تصرف فردي يخجل منه صاحبه، إلى نشاط جماعي يحظى بالتصفيق والاحتفاء اللحظي في عالم افتراضي لا يعترف بالحدود.

هذه الصدمة التي زلزلت كيان الطبقة الوسطى المصرية تحديداً، تكشف لنا حجم الفجوة الجيلية المرعبة التي تتسع كل يوم بين الآباء والأبناء. لقد استنزفت متطلبات الحياة الآباء والأمهات في رحلة البحث عن "الستر" وتأمين المستقبل المادي والتعليمي لأولادهم، بينما تُركت عقول هؤلاء الأبناء فريسة لخوارزميات تصنع لهم عوالم مغلقة لا نعرف عن تفاصيلها شيئاً. إن مجرد إغلاق هذا الجروب أو غيره، رغم أهميته لوقف النزيف الأخلاقي المؤقت، يظل مجرد مسكن لا يعالج أصل الداء، فسرعان ما سيتم استنساخ قاع جديد بأسماء وشفرات أكثر تعقيداً. المواجهة الحقيقية تبدأ من استعادة أبنائنا من هذا العزل الرقمي إلى دفء الواقع، عبر فتح قنوات حوار حقيقية في المجال العام والخاص، والنزول إلى مستوى تفكيرهم دون تعالٍ أو أحكام مسبقة، لنغنيهم عن البحث عن بطولات.

تعليقات