الأحزاب في مصر.. بين الانتماء الحزبي وسلطة القبلية والمال السياسي
الأحزاب في مصر.. بين الانتماء الحزبي وسلطة القبلية والمال السياسي
ناصر أحمد – يكتب
بعد كل انتخابات نيابية أو محلية، تبدأ الأحزاب في إعادة ترتيب أوراقها داخليًا، سواء على مستوى الأمانة المركزية أو أمانات المحافظات، بل تمتد عملية إعادة التقييم إلى الوحدات القاعدية. ويتم خلالها تقييم أداء كل عضو وقيادي، ومدى دوره في دعم ومساندة مرشحي الحزب، وهنا بيت القصيد.
هناك ما يُسمى بالانتماء الحزبي، أي أن عضو الحزب، أياً كان موقعه، مطالب بتفعيل هذا الانتماء من خلال دعم ومساندة مرشح حزبه، وأن يضع جانبًا الاعتبارات القبلية والعصبية، وأن يقدم المصلحة الحزبية والمصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.
لكن، هيهات أن يحدث ذلك في كثير من الأحيان؛ لأننا ما زلنا مجتمعًا تتغلب فيه الانتماءات القبلية والعائلية والعصبية على الانتماء السياسي والحزبي.
والصحيح أن يكون الدعم والمساندة لمرشح الحزب نابعين من قناعة حقيقية ببرنامجه وأهدافه، خاصة أن اختيار الأحزاب لمرشحيها يفترض أن يقوم على دراسات دقيقة، وتحريات، ومقابلات، ومعايير واضحة تضمن اختيار الأكثر قدرة وكفاءة على تمثيل المواطنين.
إلا أن المشهد في السنوات الأخيرة أثار تساؤلات عديدة حول مدى تأثير المال السياسي في اختيار بعض المرشحين، بحيث أصبح من يملك القدرة الأكبر على الإنفاق أو تقديم الدعم المالي للحزب هو الأوفر حظًا في تمثيله، دون أن تكون الثقافة السياسية أو الشعبية الجماهيرية أو القدرة على التواصل مع المواطنين هي المعايير الحاسمة دائمًا.
وهنا تكمن المشكلة.
فهذا الواقع يدفع بعض أعضاء الأحزاب إلى التراجع عن مساندة مرشح الحزب، والعودة مرة أخرى إلى أحضان القبلية والعائلية والعصبية، باعتبارها الضامن الأقوى في العملية الانتخابية من وجهة نظرهم.
ويجد الناخب الواعي نفسه أمام خيارين كلاهما صعب:
هل يساند مرشح الحزب، إذا كان يرى أن اختياره لم يكن قائمًا على الكفاءة والبرنامج وإنما على النفوذ والمال؟ أم يساند مرشح القبيلة والعائلة، رغم عدم امتلاكه بالضرورة المؤهلات الكافية التي تمكنه من تمثيل الشعب والدفاع عن مصالحه؟
إن القضية ليست في الانتماء إلى حزب أو قبيلة، وإنما في معايير الاختيار، وفي قدرة الأحزاب على تقديم مرشحين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والحضور الجماهيري والرؤية السياسية.
متى تنجح الأحزاب المصرية في اختيار مرشحيها وفق دراسات حقيقية ومعايير معلنة ومقابلات جادة تقوم على الشفافية والكفاءة؟
ومتى يصبح الانضمام إلى الأحزاب قائمًا على الاقتناع ببرنامج الحزب ورؤيته وأهدافه، وليس بحثًا عن مصلحة أو نفوذ أو مكاسب انتخابية؟
عندها فقط يمكن أن يصبح الانتماء الحزبي انتماءً حقيقيًا، وأن تتراجع القبلية والعصبية لصالح الوعي السياسي، ويصبح اختيار الناخب قائمًا على الكفاءة والبرنامج والقدرة على خدمة الوطن والمواطن، لا على المال أو الاسم العائلي أو العصبية.
تعليقات
إرسال تعليق