بين التصالح والعقاب.. مواطنون يدفعون ثمن قانون لم يكتمل

بين التصالح والعقاب.. مواطنون يدفعون ثمن قانون لم يكتمل
بين التصالح والعقاب.. مواطنون يدفعون ثمن قانون لم يكتمل


بين التصالح والعقاب.. مواطنون يدفعون ثمن قانون لم يكتمل

تحقيق / رفعت العمده

في الوقت الذي لم تُنهِ فيه الحكومة حتى الآن إجراءات وقواعد تطبيق قانون التصالح في مخالفات البناء بشكل كامل وواضح، فوجئ آلاف المواطنين بإجراءات عقابية ضدهم بدعوى عدم توصيل عدادات الكهرباء لمنازلهم، وكأنهم ارتكبوا جريمة مكتملة الأركان، رغم أن الدولة نفسها لم تحسم موقفها التشريعي بعد.

قانون التصالح وُضع في الأساس كحل استثنائي لتقنين أوضاع قائمة، وفتح باب الأمل أمام المواطنين لإنهاء سنوات من القلق وعدم الاستقرار القانوني، إلا أن الواقع العملي كشف عن تناقض واضح بين النصوص والتطبيق، حيث وجد المواطن نفسه ملتزمًا بالسداد والانتظار دون أن يحصل على قرار نهائي.

المشهد يتكرر في آلاف الحالات، مواطن يتقدم بطلب التصالح، ويسدد الرسوم المطلوبة، ثم ينتظر الرد لسنوات طويلة، وفي المقابل تُفرض عليه عقوبات ويُحرم من الخدمات الأساسية بحجة أن العقار ما زال مخالفًا، رغم أن ملفه لم يُحسم حتى الآن.

الكهرباء لم تعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل أصبحت خدمة أساسية ترتبط بالحياة اليومية للمواطن، وحرمان الأسرة منها يعني تعطيل نمط المعيشة بالكامل، وتهديد صحة الأطفال وكبار السن، وإرباك مصادر الرزق والعمل داخل المنازل.

ويطرح هذا الواقع تساؤلًا مشروعًا: كيف يُعاقَب المواطن بعدم توصيل عداد الكهرباء، بينما الدولة نفسها لم تفصل بعد في طلب التصالح الذي تقدم به؟ وهل تحولت الخدمات الأساسية إلى وسيلة ضغط بدلًا من كونها حقًا أصيلًا للمواطن؟

ازدواجية القرارات وضعت المواطن في موقف شديد الارتباك، بين جهة تطالبه بالالتزام بالقانون وانتظار الفصل في طلبه، وجهة أخرى تعاقبه قبل صدور القرار النهائي، وهو ما لا يرسخ احترام القانون بقدر ما يفتح باب الغضب وفقدان الثقة.

وتتكرر شكاوى المواطنين دون استجابة حاسمة، حيث يؤكد كثيرون أنهم تقدموا بطلبات التصالح منذ سنوات ولم يتلقوا ردًا حتى الآن، وفي النهاية يُقال لهم إنهم مخالفون ويتحملون تبعات ذلك، دون تحديد مسؤولية واضحة عن التأخير.

وحتى اللحظة، لا توجد خريطة زمنية معلنة لإنهاء ملفات التصالح، ولا قرارات قاطعة تطمئن المواطنين، بينما تتسع دائرة المتضررين يومًا بعد يوم، في ظل غياب حلول عملية على أرض الواقع.

العدالة التشريعية تقتضي إما الإسراع بإنهاء قانون التصالح وتطبيقه بشكل واضح وعادل، أو تجميد أي إجراءات عقابية لحين حسم هذه الملفات، فالدولة القوية لا تُدار بالتناقض، ولا تُبنى الثقة فيها على قرارات مجتزأة.

كلمة أخيرة

إذا كانت الحكومة جادة في تنظيم العمران وترسيخ سيادة القانون، فعليها أولًا أن تحسم قوانينها وتُسرّع إجراءاتها، قبل أن تُحاسب المواطنين عليها، فمعاقبة الناس بقانون لم يكتمل تظل معادلة خاسرة، يدفع ثمنها المواطن وحده.


تعليقات